أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
ويرى جمع من المفسرين أن المعنى : إلا ليخضعوا لي ويتذللوا ، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء اللّه ، متذلل لمشيئته ، منقاد لما قدره عليه ، خلقهم على ما أراد ، ورزقهم كما قضى ، لا يملك أحد منهم لنفسه نفعا ولا ضرا . وهذه الجملة مؤكدة للأمر بالتذكير وفيها تعليل له ، فإن خلقهم لما ذكر يدعوه إلى تذكيرهم ويوجب عليهم التذكر والاتعاظ . ثم ذكر أن شأنه مع عبيده ليس كشأن السادة مع عبيدهم فقال : ( ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) أي إنني ما أريد أن أستعين بهم لجلب منفعة ولا دفع مضرة ، فلا أصرّفهم في تحصيل الأرزاق والمطاعم كما يفعل الموالي مع عبيدهم . ثم علل هذا بقوله : ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) أي إنه تعالى غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ، لأنه خالقهم ورازقهم ، وهو ذو القدرة والقوة الغالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . روى أحمد عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يقول اللّه تعالى : يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسدّ فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك » . ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم - أخبر بإيقاع هذا الوعيد بهم يوم القيامة فقال : ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ ) أي فإن للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة ، وإشراكهم باللّه عزّ وجل وتكذيبهم رسوله نصيبا من العذاب مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة التي كذبت رسلها . ( فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ) أي فلا يطلبوا منى أن أعجل بالإتيان به ، فإني لا أخاف